محليةمقالات

الطيران المدني في موريتانيا (1) القائد الطيار: أبوبكر ولد بيها

بسم الله الرحمن الرحيم

 والصلاة والسلام على النبي العربي الكريم وعلى الآل والصحب.

وبعد،

فهذه أولى سلسلة مقالات عن وضعية الطيران المدني الوطني، كنت قد ضمنت كثيرا من موضوعاتها المثارة تاليا في تقرير مفصل يشخصوضعية القطاع  وأرسلته قبل  أشهر عدة  إلى السلطات المعنية ولم يحظ، لبالغ الأسف، بالاهتمام المنشود. 

وها أنذا اليوم أتحمل مسؤولياتي الأخلاقية والوطنية وأكتب للرأي العام حول المآل المحبط للطيران المدني.

 وقبلئذ أود توكيد أن دافعي للكتابة ليس تظلما من أحد أونكاية فيه وماهو طموحا أو غرضا شخصيا، بل بسبب مرارة شعوري وأنا مغترب منأجل ظروف عمل أكثر إحترافية وأمانًا كان حريا بها التواجد في وطني بيني أهلي وأخلائي. ولعل دافعي الرئيس هو إحاطة الرأي العامالوطني من موقعي كمعاين للوضع المزري الموريتانية للطيران كشركة وطنية عمومية حُق للموريتانيين، كمالكين حقيقيين، معرفة  أحوالهاومصير مبالغ المال العام المهوِلة اللتي أنفقت عليها.

 وإني لمؤمن أن هذا الوطن ما فتئ يزخر بالكثير من أبناءه الصادقين الأكفاء ولما يقولوا كلمتهم الفصل، يتألمون لما آلت إليه شؤون بلدهم ولانية لديهم في ترك وطنهم بأيدي عصبة من المتزّلفين عديمي الاهلية، أثبتوا فشلهم قبلا ويثبتونه حاضرا وهاهم أولاء يتبادلون الوظائف مرة بعدالمرة كأن لم تلد النساء غيرهم. وأتفهم تماما أن لا قراءة موضوعية لمقالاتي بمعزل عن الوضعية العامة للبلد وتسيير مؤسساته ، في ظلابتلائنا بسلطة في حكم الغافية ومعارضة بمظهر المحتضِر،  إن البلايا يسحب بعضها بعضا.

وسأتقيد قدر استطاعتي بسرد الحقائق والوقائع على وجهها كما بدت لي، دون تشنيع أو تفريط،  ودونما مداهنة أو ميل. وتجنبا للاطالة فقدرتبتها على عدة مقالات ستتناول على سبيل المثال لا الحصر المواضيع الاتية:

التسيير، المديرين العامين، شراء الطائرات، الاكتتاب و التكوين،السياسة التجارية….

ورغم سلبية النقاط التي سأثيرها، مازلت مؤمنا بقدرة الموريتانيين على إنشاء شركة نقل وطنية قادرة على مضارعة الشركات الاجنبية، وحتىالتفوق عليها، إن توفرت إرادة سياسية واعية، توفر الإطار التنظيمي المناسب.

تتمتع شركات الطيران المستحقة لهذا اللقب باستراتيجيات تضع خطوطها العريضة غالبا مكاتب مختصة  تحدد للشركة نوعية الطائراتطرازا وعددا، و تختار وجهاتها و تردد رحلاتها ومواقيتها، وآليات نموها و كذا الحملات الدعائية المرافقة، وتضع أطرا تنظيمية للعملياتالجوية و التجارية و التقنية، و قوانين  لتنظيم العمال و حقوقهم وواجباتهم.

إن تلك النظم تشكل الحجر الأساس لأي تسيير سلس وآمن للشركات الجوية حيث تشتمل على أجوبة، متفق عليها مسبقا في غياب وزرالضغوط العملياتية، لجل المهمات اليومية وكذا التحديات المعقولة التي قد تواجه الموظفين والطواقم، دون إرتجال حلول ترقيعية حسبالضرورات، والضرورات تبيح المحظورات كما تقول القاعدة الأصولية الشهيرة.

 لا تمتلك الموريتانية للطيران أي نظم فعالة  تناسب محيط عملياتها  وإن وجد ما يوهم بذاك فما يعدو كونه “نسخ ولصق” لأضغاث نظم نقلتبصورة عشوائية من شركات غابرة، والأدهى و الأمر، أن مسيري الموريتانية للطيران إما هم في غفلة عن تلك النظم أو  لا يؤمنون أصلابجدوائيتها،  فالأمر كله محصور في ارتجال المديرين العامين الغاصّين بجزيئات التسيير اليومي التي تكفهم عن النظر إلى أبعد من ذاك،وكل همهم توفير طائرة وطاقمها للرحلات الرئاسية، وتحميل سابقيهم مسؤولية أي تقصير. أما السهر على توفير خدمات مناسبة للمسافرينفذاك آخر همهم، إذ ليس ذلك  جزأ من تقييم الحكومة لأدائهم.

  وما دمنا نتحدث عن المديرين العامين فلا بأس أن نتطرق إلى عملية إختيارهم. إنكم تعلمون أن تسيير الشركات الجوية يختلف عن باقيالمؤسسات، نظرا للطبيعة العالمية لهذا القطاع، والحركية المستمرة لسياق العوامل المؤثرة فيه وكذا المعايير الصارمة المتشعبة .أعتقد أن مديريالموريتانية للطيران لم يكونوا مستعدين كفاية لمثل التحديات المطروحة، فقد حظوا جميعهم بالمنصب، ولا أستثني أحدًا، لاعتبارات سياسيةاجتماعية ضيقة دون اعتبار لتجاربهم السابقة أو خبرتهم في المجال،  فإذ يستلمون مهامهم و لا يجدون نظما وأطرًا تحدد معالم مأموريتهم،والأحرى في هذا المقام التركيز على استحداث إطار تنظيمي يؤسس قواعد الشركة ويدعمها. بدل ذاك طفق المسيرون المتعاقبون يرتجلونالتدابير دون مراعاة إطار قانوني أو ضابط فني ولم يتورعوا عن الخوض في أكثر الشؤون تقنية، ولم ينصتوا أويولوا إلا من وافق أهوائهم. وأسقطوا حرفيا تجاربهم الادارية السابقة، إن وجدت، دون مواءمة أوتعديل، وفي نهاية المطاف يستلذون اليد المطلقة التي أتيحت لهم دونرقيب فيتمادون في فعلهم، وبينما هم في ذلك، وعلى حين غفلة، يصدر مرسوم بإعفائهم من المنصب، وإذا بمدير جديد مغمور والقياس علىآنف الذكر. في هذه الحلقة المفرغة لم تستفد الموريتانية للطيران شيئا، ولم تتقدم قيد أنملة.

بعض أعراض الارتجال الأعمى باتت جلية  هذه الأيام إذ توقف جميع الطائرات الثماني المملوكة من طرف الشركة حيث التجأت الشركة إلىاستئجار طائرة بلغارية عبر وسطاء سنغاليين، مع تكفل طواقمها الثماني والعشرين،  بسبب جدولة عمليات صيانة روتينية، كان لها أن تبرمجبطريقة متفاوتة. هذا التوقف أدى إلى إلغاء كل الرحلات الداخلية إلا النزر اليسير وتأخير أو إلغاء باقي الرحلات، تاركا مئات المسافرينعالقين في عدة مطارات دون سند أو عون، ولم يكدر ذاك من صفو إغفاءة السلطات المعنية.

وأكاد أسمع الحجج الواهية لبعض المحابين، وهم يلقون بالائمة على جميع الحكومات والأنظمة السابقة. بل وعلى الموريتانيين وتخلفهم، ماأشدّ مللنا من تلك الحجج!.                            

إن الأسلوب المتعالي الأرعن للإدارة الحالية سبب قطيعة شبه تامة بين الطيارين والادارة حتى بلغ الأمر إضراب الأخيرين عن العمل، نهايةشهر أكتوبر، في سابقة من نوعها كادت تهدد وجود الشركة، وبعد أشهر من ذاك الاضراب لا تزال القطيعة على أوجها، مما أثّر و يؤثر علىتسيير الرحلات وأمانها، إني قد أنذرت!!.  وسأفرد لاحقا مقالا حول حيثيات ذاك الاضراب و الطريقة غيرالمألوفة التي سوي بها.

وإليكم حلقة مسهِرة أخرى من تسيير الموارد البشرية . فأثناء إضراب الطيارين،  قام أحد موظفي الشركة المحسوبين على المدير العام وناطقارسميا باسم الشركة، بوصف الطيارين بالخونة وقليلي الوطنية واتهمهم بتعريض حياة الركاب للخطر، قام بفعلته تلك على صفحة تواصلإجتماعي تتخذ من بيانات الشركة عنوانا لها، وعلى مرأى ومسمع من الادارة العامة دون أن تحرك ساكنا، في أي من جامعات التسييرتدرس تلك المهازل !!؟؟ .وتكملة لعين الموضوع، رفع الطيارون قضية سب وقذف وتشهير على الموظف المذكور وكل من يثبت التحقيق تورطه،وقد وجهت له النيابة العامة التهم بالفعل، و مازالنا ننتظر بتّ القضاء في شأنه.

يتواصل،

 حفظكم الله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى