أخبارمقالات

الوهم المضني : محمد عبد الرحمن المامون


“لاجدوي من معاقرة شربة شاي ولا مزاولة تصفح شاشة ولا توهم مقدم فاتح جديد ولا تقمص لجلباب فوق المقاس”
قالها ذات سكرة المؤول للأحلام: الشيخ مرزوق وهو ينظر إلي الساحة العامة وقد أغلقت محلاتها وكسفت أنوار صيدلياتها المداومة.


خاب أمله ولم يعد يجد في جيبه سعة للوعود ولا مدخلا للأوهام.
تكاثرت الظباء على خداش.. وكثرت المرائي وتنوعت ما بين اليقظة والنوم.
.. في الأمس القريب أوضحت شمس الهاجرة ما بين سطور ذلك المقنع الواقف خلف الغيوم والممسك بريشة يرسم بها خطواته علي مسرح القمامة.
لقد تعب الجالسون من صولاته وجولاته .. ظل الفضول يداعبهم ويدعهم سكاري تحت تأثير الوهم العابر لحدود المنطق والإمكان.
لم ترهب عصاه الغليظة خفافيش الظلام التي استمرأت الدخول والخروج حرة طليقة وهي تحمل صغارها المفسدة للفراش والمعاش والعابثة بما بين المنازل من توصيلات حرارية والآكلة لما في المخزن من مدخرات ومذكرات.
ولم تطمع في سلة الجزر والعلف الموضوعة بين يديه قوافل الحي ولا نجائب الجيران ولا حتي الهرة الوديعة المولعة بالانتظار عند بوابة المطبخ.
لقد تناسل الذباب حوله وتناثرت بقايا المائدة في عقر داره لتكون مرتعا خصبا للذباب المهاجر.

في موسم الهجرة الذي امسي يتكرر في السنة الواحدة تضيق مسالك الناس لكثرة الطيور والزواحف المهاجرة من مواطنها الأصلية.
وجد المقنع في هذا الزحام نصرا يشبه نصر الفاتحين ورواجا يطير بذكره إلي أعلي عليين.
خرج ذات فسحة إلي قومه في زينته ليبشرهم بنسخة جديدة من مطبوعاته الماتعه والمفيد فاستهلت وجوه الملأ فرحا بالخبر السار حتي الصم البكم الذين لم يجدوا متعة قط خلال عروضه المسرحية . تفاءلوا خيرا وأوهموا أنفسهم أن ابتسامة اليوم عريضة أكثر من الأمس فغسلوا آنيتهم واستمطروا بها الغيث الموعود.
حل فصل الربيع
وتدفقت سيول وافرة تحت الجسور المحيطة والمحاذية وسادت حالة من الهدوء في الضواحي والنواحي فأيقن الجميع أنهم على مرمي حجر من وصول الطبعة الجديدة.

أوشكت الشمس على المغيب ثم توارت بالحجاب وانقطع الكهرباء ليخيم ظلام دامس ويحول دون الرؤية.
فبهت الشيخ مرزوق وأيقن أنه لو كان يعلم الغيب ما لبث في الوهم المريب.
لم يجد المسكين سوحا لترويج خدماته ولا سوقا لعرض بضاعته لقد باءت للفشل كل محاولاته لأن يكون صادقا في تفسيره للمرائي ونزيها في استنطاقه للشخوص والمشاهد.. فردد مستسلما بعد أن أعياه التعب وأرهقه التنبؤ :
” لا حول ولا قوة إلا بالله”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى